التحكيم الرياضي أمام محكمة CAS والتحكيم التجاري الدولي

التحكيم الرياضي أمام محكمة CAS والتحكيم التجاري الدولي

دراسة مقارنة في الطبيعة القانونية، والاختصاص، وآليات التنفيذ

 

مقدمة

أصبح التحكيم اليوم العمود الفقري لتسوية المنازعات العابرة للحدود، سواء في المجال التجاري أو الرياضي. وإذا كان التحكيم التجاري الدولي قد نشأ استجابةً لحاجة الاقتصاد العالمي إلى بيئة قانونية محايدة وفعّالة، فإن التحكيم الرياضي ممثلاً بمحكمة التحكيم الرياضي (CAS) تطوّر ليشكل نظاماً قضائياً متخصصاً يضبط إيقاع المنافسة ويحمي استقرار العلاقات التعاقدية في عالم الرياضة الاحترافية.

وتثير المقارنة بين النظامين تساؤلاً محورياً:
هل يمثل تحكيم CAS نموذجاً قطاعياً متقدماً يمكن استلهامه في مجالات أخرى، أم أنه نظام استثنائي تفرضه خصوصية الرياضة؟

 

أولاً: الطبيعة القانونية والهيكل المؤسسي
  • تحكيم CAS

تأسست محكمة التحكيم الرياضي عام 1984 بمبادرة من اللجنة الأولمبية الدولية، وتتخذ من لوزان مقراً رئيساً. وتُعد مؤسسة تحكيمية متخصصة، لها لائحة إجرائية مستقلة، وقائمة محكمين ذوي خبرة في القانون الرياضي.

يتميّز CAS بازدواجية وظيفية:

  • دائرة التحكيم العادي  (Ordinary Arbitration Division)
  • دائرة الاستئناف  (Appeals Arbitration Division)

وهذا يمنحه طابعاً أقرب إلى النظام القضائي المتكامل، خصوصاً في منازعات الطعن بقرارات الاتحادات الدولية.

  • التحكيم التجاري الدولي

يقوم التحكيم التجاري على اتفاق الأطراف، ويُدار غالباً من خلال مؤسسات تحكيمية مثل:

  • غرفة التجارة الدولية  ICC
  • محكمة لندن للتحكيم الدولي  LCIA
  • مركز سنغافورة  SIAC

ولا يتمتع ببنية استئنافية داخلية إلا إذا نص الاتفاق على ذلك. وهو أكثر تنوعاً من حيث القطاعات والمجالات.

الفارق الجوهري هنا أن CAS يمارس وظيفة شبه تنظيمية في بيئة رياضية موحدة، بينما التحكيم التجاري يعمل ضمن سوق قانونية تنافسية متعددة المؤسسات.

 

ثانياً: مصدر الاختصاص
  • في  CAS

الاختصاص غالباً إلزامي بحكم لوائح الاتحادات الرياضية.
اللاعب أو النادي يوافق مسبقاً على التحكيم عند التسجيل أو المشاركة في البطولات.

وهذا ما أكّدته المحكمة الفدرالية السويسرية في عدة أحكام، معتبرةً أن قبول اللاعب بلوائح الاتحاد يشكل قبولاً بشرط التحكيم.

  • في التحكيم التجاري

الاختصاص تعاقدي صرف.
لا ينشأ التحكيم إلا بناءً على اتفاق صريح، وفق مبدأ سلطان الإرادة.

وهنا يبرز اختلاف فلسفي:
في الرياضة، التحكيم جزء من النظام التنظيمي.
في التجارة، التحكيم أداة تفاوضية.

 

ثالثاً: القانون الواجب التطبيق
  • في CAS

تُطبق:

  • لوائح الاتحادات الرياضية ذات الصلة
  • القواعد العامة للقانون
  • القانون السويسري بوصفه قانون المقر في المسائل الإجرائية

وغالباً ما تطور CAS ما يُعرف بـ “Lex Sportiva” أي المبادئ القضائية المستقرة في القانون الرياضي الدولي.

  • في التحكيم التجاري

يتم تطبيق:

  • القانون المختار من الأطراف
  • أو القانون الذي يراه المحكمون مناسباً عند غياب الاختيار
  • وأحياناً قواعد القانون التجاري الدولي العابر للحدود

المرونة هنا أوسع، لكن التخصص القطاعي أقل تركيزاً مقارنةً بـ  CAS.

 

رابعاً: الإجراءات والسرعة
  • CAS

يمتاز بسرعة الفصل، خاصة في القضايا العاجلة مثل:

  • النزاعات قبل البطولات الكبرى
  • الطعون المتعلقة بأهلية اللاعبين

وقد أنشأ نظام “التحكيم المؤقت خلال الألعاب الأولمبية”، حيث تُفصل النزاعات خلال 24 إلى 48 ساعة.

  • التحكيم التجاري

قد يمتد لمدد أطول تبعاً لتعقيد النزاع وقيمته المالية.
الإجراءات مرنة، لكن عنصر الاستعجال ليس سمة ملازمة كما في الرياضة.

 

خامساً: الطعن والرقابة القضائية
  • CAS

الأحكام نهائية، والطعن ممكن فقط أمام المحكمة الفدرالية السويسرية لأسباب محدودة جداً، مثل:

  • مخالفة النظام العام
  • انعدام الاختصاص
  • انتهاك حق الدفاع

وهذا يعزز الاستقرار القانوني.

  • التحكيم التجاري

الطعن يكون أمام محاكم مقر التحكيم وفق قانون ذلك البلد، وغالباً ضمن نطاق ضيق أيضاً.

 

سادساً: التنفيذ الدولي

كلا النظامين يستند إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها.

غير أن خصوصية CAS تكمن في أن الاتحادات الرياضية قد تفرض عقوبات رياضية تلقائية في حال عدم الامتثال للحكم، مثل:

  • خصم نقاط
  • منع تسجيل لاعبين
  • إيقاف عن المنافسات

وهذه آلية تنفيذ ذاتية نادرة في التحكيم التجاري.

 

سابعاً: دور الاتحاد الدولي للتحكيم (IFA)

يسهم الاتحاد الدولي للتحكيم في تعزيز فعالية وحياد التحكيم الرياضي والتجاري الدولي على حد سواء، من خلال وضع معايير مهنية واضحة وإرشادات دقيقة للمحكمين. كما يعمل على ربط الخبرات القطاعية المتخصصة في الرياضة بأطر التحكيم التجاري، مما يسهم في تطوير نظام تحكيم موحد ومتوازن يضمن العدالة ويسهّل تسوية المنازعات العابرة للحدود بكفاءة واحترافية.

 

ثامناً: التحليل النقدي

يمكن استخلاص ما يلي:

  1. CAS  يمثل نموذج تحكيم قطاعي متخصص عالي التنظيم.
  2. التحكيم التجاري أكثر مرونة لكنه أقل توحيداً قطاعياً.
  3. تجربة CAS قد تمثل نموذجاً قابلاً للتطبيق في قطاعات أخرى مثل:
    • الطاقة
    • التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
    • الأسواق المالية الدولية

إذ يمكن إنشاء هيئات تحكيم قطاعية عالمية تعتمد قواعد موحدة وتطوّر “Lex Sectoria” خاصة بكل مجال.

 

خاتمة

التحكيم التجاري الدولي يحمي حركة الاستثمار عبر الحدود.
أما تحكيم CAS فيحمي استقرار المنافسة وعدالة اللعبة.

كلاهما يعكس تطور العدالة الخاصة خارج أروقة القضاء الوطني، غير أن نموذج CAS يقدّم تجربة متقدمة في التخصص المؤسسي قد تمثل مستقبلاً جديداً للتحكيم القطاعي العالمي.

 

المراجع
  1. بلاكشو، إيان. الرياضة والوساطة والتحكيم. دار T.M.C. Asser للنشر.
  2. كوفمان-كوهلر، غابرييل، وريغوزي، أنطونيو. التحكيم الدولي: القانون والممارسة في سويسرا. مطبعة جامعة أكسفورد.
  3. ميتن، ماثيو. الرقابة القضائية على أحكام التحكيم الأولمبي والتحكيم الرياضي الدولي.
  4. المحكمة الفدرالية السويسرية. أحكام متعلقة باستقلالية محكمة التحكيم الرياضي (قضية غوندل ضد الاتحاد الدولي للفروسية – Gundel v. FEI).
  5. الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا). لوائح أوضاع وانتقالات اللاعبين (RSTP).
  6. اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها.
  7. ردفيرن وهنتر. القانون والممارسة في التحكيم التجاري الدولي.
  8. بورن، غاري. التحكيم التجاري الدولي.
Related Posts
Leave a Reply

Your email address will not be published.Required fields are marked *